24 ساعةالأولىعدالة

هذه رسائل الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الى المحامين الجدد

قال الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية محمد عبد النباوي في الافتتاح الرسمي  لندوة التمرين الوطنية، إن المحاماة هي مهنة الشرف والنبل والقيم الفاضلة. ولذلك فإنها استحقت أن تتبوأ مكانة سامية بين كل المهن الفكرية. وإن علو مكانة المحاماة ليس رهيناً بكفاءة نسائها ورجالها، القانونية وحدها، ولكنه يرتبط بالأساس بالأخلاقيات المهنية التي تؤطرها.

فالمحامي، يؤكد الأستاذ محمد عبدالنباوي،  مطبوع بكل الشيم الفاضلة المتعارف عليها بين الناس، والتي ترفع من شأن الإنسان في المجتمع، وتجعله محط تقدير وثقة واعتبار. ولكنه يزيد عنها بضرورة تمسكه بقيم أخرى خاصة بالمحامي. وهي قيم تتناقض في الظاهر مع المهام التي يقوم بها المحامي. وبذلك تكتسي مهنة الدفاع تفردها بين المهن. ويكفي أن نقول أن المحامي يتقاضى أتعاباً من موكله، ولكنه ليس أجيراً عنده، ويؤازره أو ينوب عنه ولكنه مستقل عنه. وأنه يقدم خدمات لأشخاص يتلقى عنها مقابل ولكنه ليس أجراً.

وأشار الى أن المحامي لا يبيع خدماته .. وهو ليس مأجوراً يُؤتَمرُ فيُطِيع. المحامي خادمٌ للحق، ومساعد للعدالة، وأجير عند ضميره .. المحاماة ليست مهنة لكسب الرزق، ولكنها مهمة لإقامة العدل، والدفاع عن الحق، والمساعدة في البحث عن الحقيقة من أجل إنصاف المظلوم وردع الظالم وإرجاع الحقوق لأصحابها. ولذلك فإنها تحتاج إلى عقيدة راسخة، وإيمان ثابت بقيم العدل والإنصاف، والحرية والمساواة، والدفاع عن الحق وسيادة القانون، والإيمان بمبادئ النزاهة والاستقامة.
ولذلك فإن انهيار المبادئ والقيم أخطرَ ما يضر بمهنة المحاماة ويسلُبُها نُبلَها وقداستَها وشرفها. ولأن شرف المهنة يصنعه الرجال والنساء المنتمون لها، بسلوكهم وأخلاقهم وتشبتهم بأخلاقيات المهنة وأدبياتها، ودفاعهم عن قيمها ومبادئها، ووفائهم لقواعد اشتغالها ومعايير أدائها. فإن نبل المحاماة أمانةٌ في أعناق المحامين والمحاميات .. وهو أمانة في أعناقكم، أنتم المحامون المتمرنون، يجب أن تتمسكوا به وتدافعوا عنه، لأنه يمثل شرفكم ونبلكم وكرامتكم كمحامين في المستقبل.
وإن الدفاع عن شرف المهنة وكرامتها، قد يتطلب مقاومة المغريات ومجابهة الملذات، والوقوف سداً منيعاً أمام المساومات الماسة بقيم المهنة وأخلاقها، مهما ارتفعت قيمة العروض وعلت أسعار المغريات التي قد تعترض طريقكم أو تُعرض عليكم.

إنها أيها السيدات والسادة معركة شرسة لن يكسبها سوى الضمير الحي والإخلاص التام لقيم المهنة. لأن الحرص على نقاء السيرة وصفاء السريرة، والإحساس بثقل مسؤولية الانتساب إلى أسرة العدالة، هو أعز ما يُطلب من محام في البداية والنهاية.

ولعل أول واجبات المحامي هي احترام القضاء والثقة في أحكامه واستعمال الأساليب والمساطر المشروعة للطعن فيها والتظلم من القرارات القضائية. وقد لخص الفقيه المحامي الإيطالي اللامع Piero Calamandrei هذا الواجب بقوله : *”الإيمان بالقضاء أول واجبات المحامي”.* وقد جاء قوله هذا انتقاداً لقول سيء يجعل *”العدالة بمثابة لعبة الحظ”* . واعتبره كالأماندريي مقولة تافهة صادرة عن شخص ” *انتظم في خدمة القضاء دون أن تملأ نفسه رسالته أو يتخلق بخلقه السامي، فاستشعر في نفسه نقصاً وراح يتلمس عذرا لعجزه وفشله”.*

ودعا المحامي الناشئ إلى طرد هذه الأقوال المرتجلة وما توحي به من الاستسلام. وأوصاه بالثقة في العدالة والإيمان بها لأنها *”ككل المقدسات الأخرى لا تكشف عن وجهها الوضاء إلا للمؤمنين”.*

وجاء في كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ” أيها المحامون المتمرنون، قال كالامانداريي أن والده، الذي كان محامياً، قد أسرَّ إليه في آخر أيامه بهذا القول: *”ثق أن أحكام المحاكم عادلة دائما. إنني لم أجد سببا للشكوى من انعدام العدالة خلال اثنين وخمسين سنة من ممارستي للمحاماة. فما كسبتُ قضية إلا وأنا مؤمن بأن الحق كان إلى جانبي، وما خسرت قضية إلا وأنا مؤمن بأن الحق كان في جانب خصومي”.

وقد أثارت وصية والده الكثير من التساؤلات في ذهن بيرو كالاماندرييه، وبلغ به الحد أن اعتبرها ساذجة. ولكنه انتهى إلى *أن هذه السذاجة المقدسة، في التدليل أو التفكير، هي التي تستطيع وحدها أن تُمكِّن المحاماة من أن ترفع مستواها وطبيعتها. فبدلا أن تكون لعبة منحطة قوامها الخديعة والدس، تصبح أداة نبيلة لتدعيم السلام الاجتماعي ورفع شأنه.*

فطوبى لمن كان انتسابه للمحاماة مسيجا بوعي واقتناع، وهنيئا لكم على الظفر بشرف ارتداء بذلة الدفاع، التي كرّمها جلالة الملك محمد السادس بارتدائها .. و كان والد جلابته المغفور له الملك الحسن الثاني قد صرح عن حبه لها. وأملي أن تستفيدوا من أساتذتكم وتختاروا قدوتكم من أكثرهم تمسكا بأخلاق المهنة، وأخلصهم لمبادئها. فمسؤوليتكم قائمة في اختيار القدوة والمثال الحسن. وهي طبيعة البشر يهفو دائما إلى التشبه بالأجود و الاقتداء بالأحسن”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: حقوق الطبع و النشر محفوظة لجريدة msalkhir.com
إغلاق