24 ساعةالأولىرأي

عادل بهوش : نقاش هادئ مع الزملاء الكرام حول محددات اختيار الترشيح للانتخابات المهنية

زملائي الكرام

بداية أعبر لكم عن مودتي و تقديري لكم جميعا،
لقد اخترت أن أتواصل معكم عبر هذه الرسالة المكتوبة تعبيرا مني عن مدى احترامي لاختياراتكم الفكرية و السياسية والنقابية، و هو احترام عبرت لكم عنه و مارسته اتجاهكم طيلة مرحلة التكوين و بعدها.

ولعل إحدى تجليات الاحترام تكمن في أن لا نتردد، حين تحين اللحظات الحاسمة، في التعبير عن الرأي المخالف لكي لا يصبح احترام الانتماء و التموقع الفكري مجرد نفاق و تملق و لكي لا يكون مجرد تقية أو تحايل انتهازي مقيت.
تفصلنا عن الانتخابات المهنية أقل من مسافة شهر، و من البديهي أن يختار كل واحد منا ما يشاء بكل حرية و ليس هذا ما سيجعلنا نغير من نظرتنا لبعضنا البعض أو يؤثر على علاقة الاحترام و الود و الصداقة التي تجمعنا و ستبقى مهما كانت النتائج.

تجرى الانتخابات المهنية، كما تعلمون، وفق النظام اللائحي و هو ما يعني أن النقاش لا يتعلق بأشخاص و أفراد بل أساسا بانتماءات و اختيارات نقابية ستصب بالنهاية في مجرى أجندات بعينها. فمهما كانت نزاهة و استقامة الأفراد و كفاءتهم، وهو ما أشهد به لكم جميعا، يبقى المحدد في نهاية التحليل هو الانتماء النقابي أو لمجموعة ما. هذا الانتماء الذي قد تتداخل معالمه داخل المؤسسات التمثيلية بما هو حزبي و سياسي و ترتبط بأجندات مــــــن الأكــــيد أن لها تأثير على أوضاع الشغيلة و عــــلى مكتسباتــــها و مصالحها الآنية و المستقبلية.

لكل ذلك أعتقد أنه من المفيد أن نؤسس لاختياراتنا بنقاش عقلاني و براغماتي يبسط الأسباب و الحجج بكل وضوح.

اسمحوا لي ،إذن، أن أبسط أمامكم ما أراه محــوريا فـــي تحـــــديد الاختيار النقابي و الانتخابي المهني الأنسب في ظل الظروف الراهنة.

من المؤكد، بداية، أن الأمر لا يتعلق باعتبارات ذاتية و شخصية، و لا باعتبارات علاقات القرابة العائلية أو الصداقة و الزمالة المهنية، و أكيد انه لا يتعلق بعلاقات خوف أو حرج مرؤوس أمام رئيسه أو بعلاقة راغب في قضاء مصالح شخصية أو عائلية أو حزبية و نقابية ارتباطا بمسؤول بمصلحة من مصالح الوزارة أو الأكاديمية أو غيرها. و لن يخالفني الرأي أي منكم أن من يعير مثل هذه الاعتبارات في تحديد انتمائه أو ترشيحه أو تصويته مستقبلا لا يستحق أن يكون مخاطبا برسالتنا هاته و هـــــو خارج دائــرة اهتمامنا و تفكيرنا. فمثل هؤلاء رفع عنهم القلم وفقط.
ماهي المحددات التي تستحق أن نبني عليها اختياراتنا، إذن؟

بداية أقترح أن نلقي نظرة و لو خاطفة على الولاية السابقة. فمن الأكيد أن استخلاص دروس الماضي سينفعنا في استشراف الأفق و تفادي تكرار الأخطاء. كما تعلمون تهيمن على ممثلي فئة مفتشي المصالح المادية والمالية ضمن اللجن الإدارية المتساوية الأعضاء نقابة “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب”. و إذا كنا لا ننكر على أي زميل حقه في حرية الانتماء النقابي، كما لا نبخس مجهود أي طرف كان، لكن أعتقد أنه من الضروري أن نسجل بعض المـــلاحظات علها تـــــنفعنا جميعا في خدمة مصالح و قضايا الشغيلة عموما و ضمنهم مفتشات و مفتشي المصالح المادية و المالية بشكل خاص:
– لا يخفى عليكم دور ممثلي الموظفين في اللجن الإدارية المتساوية الأعضاء في تشكيل الخريطة السياسية و خاصة عبر مجلس المستشارين. فالأكيد أن ممثلينا باللجن الإدارية المتساوية الأعضاء بحكم انتماءهم إلى نقابة “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” قد صوتوا عند انتخاب ممثلي المأجورين بمجلس المستشارين لصالح لائحة هذه المركزية. و بالتالي فدورهم مؤكد و مسؤوليتهم مؤكدة عن قرارات ومواقف هذا الفريق وبشكل خاص في ما يتعلق بالتصويت على “‘قانون إصلاح التقاعد” الذي تضمن ثالوث التراجع المميت لمكتسبات شغيلة الوظيفة العمومية في أنظمة التقاعد: رفع السن، رفع الاقتطاع و تقليص المعاش.

لقد كان حقا امتناع أربعة من أعضاء مجلس المستشارين تم انتخابهم بفضل أصوات أعضاء اللجن الإدارية المتساوية الأعضاء باسم نقابة “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” عن التصويت أمرا خيانيا لا يغتفر لمصالح الشغيلة. لقد كشفت الأيام عن المستور و علمنا أن الأمر كـــان يتعلق بصفقة بين رئيس الحكومة آنذاك و الأمين العام لحزب الاستقلال مقابل وعد بحقائب وزارية لما بعد الانتخابات التشريعية التي كانت على الأبواب.
– و ارتباطا بهذه الفقرة الأخيرة، لابد للمرء أن يتساءل و ما دخل حزب سياسي في موقف ممثلي المأجورين بمجلس المستشارين؟ ألا يفترض بأن يكون القرار النقابي مستقلا؟

ليس الموضوع ضربا من ضروب المزايدة و لا تلفيقا كاذبا. ففي نفس جلسة التصويت تغيب ستة عشر عضوا من فريق حزب الاستقلال و بالمناسبة كلاهما يشكلان فريقا واحدا داخل الغرفة الثانية. ولمزيد من رفع الغموض لابد من أن يعلم الجميع أن الانتماء إلى نقابة “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” هو انتماء إلى حزب الاستقلال بموجب صريح من أنظمتهما الأساسية التي تعتبر نقابة الاتحاد العام منظمة موازية من تنظيمات الحزب العديدة.

مرة أخرى لابد من التوضيح أنني لا أعادي حق و حرية الانتماء الحزبي. لكن على الذي اختار نقابة “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” كلون لتقديم ترشيحه أن يوضح الأمر للزملاء و الزميلات و عليه أن يكون اليوم ،و غدا خلال الحملة الانتخابية، واضحا معهم بأن يوضح لهم أنه يدعوهم للتصويت على دراع لحزب الاستقلال يأتمر بأمر أجهزته الحزبية ويخضع لأجندتها السياسية.
بل، و حتى لا أكون قاسيا على زملاء لي يتحملون مسؤوليات تنظيمية بهذه النقابة ،لاعتبار من الاعتبارات، و الذين أعرف مدى نزاهتهم و استقامتهم الأخلاقية، عليه أن يقدم اعتذارا صريحا أمام الشغيلة و نقذا ذاتيا قاسيا بعد أن يقدم حصيلته. إذ، في نظري، لا تلتقي الاستقامة الأخلاقية مع السكوت على خيانة من مثيل خيانة مستشاري “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” إبان التصويت على قانون “إصلاح التقاعد” المشؤوم. و ثمة كوارث أخرى تم تمريرها بمباركة هذا الفريق، لكن في سياق رسالتي هاته أكتفي بهذا المثال الصارخ.

و في نفس محور الاستقلالية النقابية، لا أعتقد اننا نحتاج إلى مجهود لاستبعاد اختيار نقابة “الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب”، دراع حزب العدالة و التنمية، التي ترأس أمينها العام جلسة مجلس المستشــــارين المخصــــصة للتصويت عـــلى ذلك القانون المشؤوم و صوت مستشاروها الأربعة بجانب مستشاري حزب العدالة والتنمية بنعم لصالحه.

إذا كان هناك من درس يمكن استخلاصه من تجربة الولاية السابقة، أعتقد انه يتمثل بالأساس في اختيار الاستقلالية النقابية كضمانة أكيدة لاتخاذ قرارات ومواقف بعيدة عن التبعية الحزبية و السياسية ســـواء للأحزاب أو الحكومة أو أرباب العمل أو المنـــظمات و الجهات الخارجية. إن اختيار منظمة نقابية مستقلة لإعلان الترشيح شرط لاختيار أعضاء اللجن الإدارية المتساوية الأعضاء يساهمون في انبثاق ممثلين للمأجورين يعملون لمصلحة الشغيلة المغربية و في خدمتها و لا يستخدمون في صنع خرائط الحكومة المستقبلية و الأجندات الموضوعة مسبقا على طاولتها و التي تنطوي على مزيد من تخريب القطاع العام و الوظيفة العمومية و مكتسبات شغيلتها و تكريس و تعميم الهشاشة الاجتماعية.
زملائي الأفاضل،

إذا ستثنينا فئة مفتشي المصالح المادية والمالية فباقي فئات المفتشين تهيمن على ممثليها باللجن الإدارية المتساوية الأعضاء “نقابة مفتشي التعليم” و هي نقابة فئوية تأسست سنة 2003. هل تشكل هذه النقابة خيارا مناسبا للترشيح؟ لننظر إذن، إلى بعض الحجج قبل اتخاذ موقف.
– لقد تأسست “نقابة المفتشين” على منظور فئــوي ضــــيق ضـــمــــن سياق سياسي و اجتماعي يعج بمبادرات مشابهة، و كرست انعزالية المفتشين و المفتشات عن المركزيات النقابية التي تنظم كل قطاعات و فئات الشغيلة المغربية.
ينبغي، و نحن نحاول تحديد اختيارنا النقابي، أن نتساءل هل هذا المنحى الفئوي صائب؟ هل عزل المفتشين عن باقي فئات قطاع التعليم أمر جيد؟ هل يحقق للمفتشين و المفتشات المبتغى المطلبي المادي و المعنوي الذي يتطلعون إليه؟ هل عزل هذه الفئة عن عموم الشغيلة المغربية و عن الحياة التنظيمية للطبقة العاملة أمر جيد و يصب في خدمة النضال من أجل ازدهار الأمة المغربية اجتماعيا و دمقراطيا و ثقافيا؟….

إذا كان هذا الاختيار صائبا، فعلينا أن ندفع هذا التفكير إلى مداه و نعمم الفكرة. فلتستقل كل فئة، إذن، بنقابتها: نقابة الاساتذة، نقابة الملحقين التربويين، نقابة الممونين، نقابة الممرضين، نقابة الكتاب …ألخ. و لا حاجة إلى جامعات قطاعية وطنية، و لا إلى منظمات مركزية تجمعها و توحدها. و لما لا؟ فلتنشطر كل فئة كبيرة أيضا حسب الدرجات أو الوظائف و المجالات…

لكن، أيها الزملاء الأفاضل، ألا يذكركم هذا بأي شيء؟ أليس هذا ما كانت عليه أحوال العمال و المستخدمين قبل تأسيس المركزيات النقابية كتتويج لصيرورة كفاحهم من أجل التشكل كطبقة عاملة موحدة بمصالح موحدة موضوعيا تميزها عن مصالح باقي طبقات المجتمع؟. ألا يتماثل مشروع التفييئ الانعزالي الـــــذي تحمله و تجسده “نقابة المفتشين” مع ما كان يعرف بنظام الـــــطوائف (المهنية) البــــائد (le corporatisme)؟…

هاهنا ينكشف الجوهر التخريبي لهذه الفكرة التي تعزف على نغمة و شعار “وحدة المفتشات و المفتشين” و تتباكى على ضرورة تجنب “تفريق دمهم بين المركزيات النقابية”. إن هذا التفكير و إن كان يدعي التمسك بوحدة الفئة، فإنه لا يفـــــعل ذلك سوى للفت الأنظار عن أفظع عملية تمزيــــق و تشتيت لوحدة الشغيلة و تشجيع الخروج من منظماتها النقابية التاريخية التي تأسست على أرضية الاستقلالية الطبقية . فإذا كانت كل الضربات التي تلقتها وحدة منظمة النضال النقابي للعمال المغاربة قد قادتها أحزاب سياسية من فوق بمبررات مختلفة أثبت التاريخ تهافتها و زيفها، فإن أصحاب “نقابة المفتشين” يشاركون، بحسن نية و باسم الحفاظ على وحدة الفئة، في أخطر مسلسل لازال جاريا لتفجير و إقبار الوحدة التنظيمية النقابية للشغيلة المغربية ضمن مركزية موحدة.
– تقوم التمثيلية النقابية المؤسسية ببلادنا على ما يسمى ” النقابة الأكثر تمثيلا” و هي صفة تنص عليها مدونة الشغل حين تشترط الحصول على نسبة 6% من مجموع مناديب الأجراء بالقطاع الخاص و ممثلي الموظفين باللجن الإدارية المتساوية الأعضاء على الصعيد الوطني. و تحتسب هذه النسبة بالنسبة للمستوى الوطني لتحديد المركزيات النقابية المعنية ب”الحوار الاجتماعي” وبتشكيل بعض المجالس الاستشارية كمجلس المفاوضة الجماعية …، و تحتسب أيضا عند تحديد المنظمات الأكثر تمثيلا على المستوى القطاعي المعنية بالحوار و التفاوض. أما على المستوى الفئوي فلا مجال للحديث عن نقابة أكثر تمثيلا.
إن حصول النقابة الفئوية على جميع ممثلي فئات المفتشين و عددهم 17، لا يؤهلها للحصول على عتبة 6% المطلوبة للحصول على صفة نقابة أكثر تمثيلا بقطاع وزارة التربية الوطنية. مما سيجعل هذه الأخيرة في حل من إلزامية استدعاءها للحوار الاجتماعي القطاعي. و حتى إن فعلت فهي ستفعل ذلك من باب التشاور و في غالب الأحيان، كما حـصل مع القرار المحدد للمهام، من باب إشراك و توريط “شريك اجتماعي” في تمرير ما تريد من تراجعات تهم الفئة.

أخيرا، زملائي الكرام،
و لأني حالم كبير بإمكانية إعادة توحيد الطبقة العاملة المغربية ضمن منظمتها النقابية الأصلية على أرضية مبادئها التأسيسية التاريخية: الوحدة الاستقلالية و الدمقراطية، لكي تلعب أدوارها التاريخية الاجتماعية و الدمقراطية و الوطنية. خاصة بعد أن كشف التاريخ زيف كل الادعاءات و بطلان كل المسوغات التي اعتمدت لشق وحدتها و تمزيقها لإضعافها أمام أرباب العمل و الحكومات المتعاقبة، من اليمين و من اليسار، لتسهيل تمرير أخطر و أقذر التراجعات.
و لأني أومن أيضا بأن للمفتشات و المفتشين بوزارة التربية الوطنية أدوارا طلائعية عليهم أن يلعبوها ضمن بناء و إعادة بناء وحدة الشغيلة المغربية في تلاحم مع جميع فئات الشغيلة التعليمية و وسط كل فئات الطبقة العاملة، أعتبر أن لا اختيار ينسجم مع كل الاعتبارات الواردة أعلاه لتقديم الترشيح و لا راية تستجيب لكل هذه التطلعات غير راية: الاتحاد المغربي للشغل.

تقبلوا زملائي الكرام خالص التقدير و الاحترام.

عادل بهوش
مفتش المصالح المادية و المالية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: حقوق الطبع و النشر محفوظة لجريدة msalkhir.com
إغلاق