رأي

نساء ورجال التعليم والصحافة« ديال العبار »

خالد لشهب

يطلق المغاربة هذا المركب” ديال العبار” للدلالة على المنتوج الذي يفتقد للأصل والعلامة التجارية؛ وبالتالي فهو منتوج يبقى مفتوحا على كل مجهول وغير خاضع لأية رقابة. وقد يكون قليل الجودة كما يعبر عن ذلك البائع بزيادة عين أو غين ممدودة ‘ غا ديال العبار’ في إشارة لجعله أقل قيمة من ذلك المنتوج المصنف.

وأحكام النقد والقيمة ملازمة لنا في الحياة، فنحن نعمد إلى نقد وتقييم مائات بل آلاف الأشياء التي تصادفنا في كل يوم. بل إن لفظ النقد جاء من حقل المال والتعدين والسبك، فيسمى الناقد ناقدا مادام يحترف أن يميز العملة الحقيقية الصافية من الرديئة والمزيفة. وكما تستطيع أنت بما لك من خبرة ومعرفة أن تميز الفاكهة والخضر جيدها من رديئها. وما نقوم به هاهنا لا يخرج عن ذلك الفعل والوصف، فكما أنه هناك الصحفي الجيد والحقيقي، هناك الصحفي المزيف والرديء؛ والذي يتلبس بمهنة الصحافة فتكون مهمته التغطية بدلا عن الفضح، والإيهام بدلا عن التحقيق.

منذ أن ظهرت مهنة الصحافة، على الأقل في المغرب، غالبا ما نسمع وصفها بمهنة المتاعب. وقد لا يعقل كثير من الناس كيف أن عمل الصحافي الذي لا يتطلب الكثير من الجهد ـ مقارنة بمهن أخرى ـ أن يوصف بهذا الوصف؛ فالناس ترى أن الصحافي ـ في الغالب ـ يستطيع أن يحصل من المكاسب في مدة قصيرة ما لا يستطيع أن يحصله موظف في سنوات طويلات. و يستطيع أن يظهر في صورة أليق مما يظهر عليها أي مستخدم آخر. بل لا غرابة أن تلقي أن بعض رؤساء التحرير لهم من السلطة ما يخول لهم تخويف كبار النافذين والفاسدين؛ فيتكتمون عن هذا، ويساومون هذا، ويداهنون هذا؛ ثم يحوزون من المال والسلطة ما لا يقوم لغيرهم؛ استرزاقا بالحقيقة..فكيف تكون مهنة الصحافة بهذا الحظ والحظوة مهنة المتاعب؟.

إن المغاربة يستعملون العبارة” ديال الكيلو” في إشارة إلى تبخيس الأشياء، فكلام الكيلو هو كلام سوقي رديء، بل إن العبارة فيها تنقيص من الأشياء؛ من الأوزان، والأفعال، والأقوال. واستعمال الأثقال في تبخيس الأمور قريب من المركب الفصيح’ على المقاس’؛ أي أن الصحافي حين لا يستقيم كما تستقيم المسطرة يقال إنه صحافي على المقاس. إن عمله يصبح شبيها بعمل الخياط يفصل الواقع والحقيقة بما يراه المانحون والنافذون؛ فيحور النقاشات، ويقلب المسؤوليات والاتهامات، فيهاجم هذا وهذا؛ ويغض الطرف عن هذا وهذا تحت منطق من يدفع أكثر.

وقد ابتلي الواقع المغربي بكثير من أولائك؛ المتلبسين بمهنة الصحافة. ففي الوقت الذي يزج بالصحافة في السجون ويفتنون، ويحكم عليهم بسنوات طوال لم يحاكم بعشرها الذين نهبوا البلد وحلبوه على امتداد عقود؛ نجد أشباه الصحافيين تقوم مهمتهم بالأساس على تزييف الواقع والدفاع عن الفاسدين من أولياء نعمتهم. ولا غرابة ولا عجاب إن رأيت بعضهم من الذين لا يفتح الواحد منهم فمه بملئه إلا عند طبيب الأسنان؛ يتخلى عن مهمته في نقد الريع والفساد الذي أوصلنا للحافة، فيختلق معارك وهمية مع رجال التعليم محملا إياهم المسؤولية، وكأن رجال التعليم هم الذين نهبوا البلد على امتداد عقود؛ حتى وصل العجز إلى أن تلد المغربيات على الأرصفة، وعلى مشارف المستشفيات، أو تقبض أرواحهن محمولات على ظهور الرجال بين الجبال. يختلق المعارك الوهمية وكأن رجل التعليم الذي لا يساوي راتبه الشهري إلا دخل يوم يتيم في منصب ريع سمين. وكأن رجل التعليم هو الذي وزع الثروة على قلة قليلة محظوظة؛ بينما لا يجد أغلب المغاربة ما يسدون به رمقهم. وكأن رجل التعليم هو الذي أجهض حلم الشباب في الحياة والسكن حتى أصبح سكان السطوح أكثر من سكان قطر؛ لأجل أن تطيب نفس المنعش العقاري المحظوظ.. وكأن رجل التعليم وحده ينعم بأجره الزهيد بدعا من باقي رجال التعليم في العالم أجمع والذي منه دول كثيرة دمقراطية جعلت لرجل التعليم كافة الضمانات لأنها تعول عليه. وكأن رجل التعليم مسؤول عن صلع من صلع وحسر من حسر.

إن المركب ” ديال العبار” أو الفعل ‘عبر’ يستطيع أن يحتمل معان دلالية وبلاغية كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. فـ’العبار’ هو قياس وجس. والصحافي الرديء لا يتصرف، ولا يخوض حروبا، ولا يفتعل نقاشات انطلاقا مما تمليه المهنة أو ذاته على الأقل، إنه فاقد للإرادة، والحروب التي يخوضها ويفتعلها لابد أن لها دوافع من الذين يستعملون هذا النوع من الصحافة لجس النبض. فالحرب على أجور رجال التعليم التي يريد أن يصورها الصحفي الرديء على أنها ريع لابد أن تخفي وراءها نية في الطمع فيها مستقبلا وفي تقليصها من المسؤولين الناطقين بفم الصحفي الكركوز، وعلى رجال التعليم وهم يخوضون المعارك مع المشبوهين أن يعوا ما وراء الحروب المفتعلة.

إن مهنة الصحافي من أشرف المهن حين يستقيم ممتهنها. إنها المهنة التي لا يقوم بها، ولا يحصل شرفها إلا ذلك الذي يمتلك قلب محارب، وشغف فيلسوف، وصدق نبيء. وإن محاولة الركوب عليها والتلبس بها لقضاء الأغراض والأوطار الدنيئة الدنيسة يبقى أمرا مفضوحا أخس. ومهمتنا بالأساس ومهمة كل صحفي عفيف شريف هو فضح كل تلبس.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: حقوق الطبع و النشر محفوظة لجريدة msalkhir.com
إغلاق