24 ساعةالأولىرأي

من المبعثين إلى حماة الحياة في زمن الجائحة

يتمترسون كالبنيان المرصوص، يصلون النهار بالليل، جنود ليس كباقي الجنود، أسلحتهم لا تشبه كل أنواع الأسلحة، بذلهم بيض كبياض الثلج، عيونهم لامعة متيقضة ساحرة تلهم ضيوفها بالسكينة والطمأنينة.

عدوهم خفي غريب الأطوار، يعشق القتلى ببرودة دم، يحرق كل الحواجز، ينتقل بكل حرية، لا يعترف بالحدود ومنطق الجمارك، هويته لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، يخيف ويرهب ولا يخاف، يتخذ من أجسادنا ساحة معركته، وكأنه يدرك أننا لا نعرف عن أجسادنا إلا ما ظهر منهاـ وبواطنها عوالم مظلمة. نجهل مساراتها وسراديبها ومكامينها، حالنا-مع أجسادنا-يشبه ذلك الذي يحمل أسفار. نفتش جاهدين فيما تبقى لنا من كلمات لممناها، ونحن نصطف أمام من كاد أن يكون معلما، عما يسعفنا من الأبجدية لنعبر لأولائك الجنود، الذين لا يشبهون الجنود، عن امتنانا عن شكرنا عن إكبارنا وإجلالنا وأنتم تصرون على منحنا الحياة، وقد استسلمنا لذلك التاجي الذي يتربص بنا تواجهونه وتحاربونه في أجسادنا وأرواحنا معلقة تراقب إقدامكم وشجاعتكم، رغم أن ساحة المعركة لا تتعدى تجويفا صدريا. يضرب بقوة ليحبس أنفاسنا فتتصدون له بأنفاسكم تنزل بردا وسلاما لتنعش أرواحنا المعلقة – من جديد-فتسري برفق عبر شبكة عروقنا فترتعش شعيرات جلودنا، وتقشعر أبداننا فنتفس بملئ رئاتنا لتتدفق الحياة في أطرافنا فنبعث أحياءا، فتنفتح عيوننا كالسكارى لا تدري أهي هنا أم هناك؛ إلا بعد أن تسرق أسماعنا همساتكم بأننا عدنا وقد عمت الفرحة كل الجنود المرابطين لهزم العدو الخفي.

عذرا لأننا لا نأتيكم إلا ونحن نحمل معنا أسقامنا وأوجاعنا وآلامنا وجراحنا لا سبيل لنا فيما نحن فيه إلا أنتم.

عذرا لأننا هرعنا لنقبع خلف أبوابنا الموصدة، نراقب الوضع عبر الطاقات والنوافذ، نرتدي الكمامات وتختبأ في مضاجعنا ننتظر ذلك الأيوبي كل عشي ليطلعنا عبر التلفاز على مستجدات الحرب الضروس، فتتزاحم كل المشاعر في دواخلنا ويختلط الأمر علينا ونحن نراقب ونفتش عن بريق أمل ذلك الأيوبي بمحياه الذي يدخل فينا نوعا من الأمل وشيئا من الاطمئنان لا أوشحة ولا يناشن على كتفيه لكنه يشعرك أنه ضابط سامي، ليس كباقي الضباط في حرب ليست كباقي الحروب حرب مقدسة لا تشبه ما سبقها حتى تلك التي قادها الأيوبي شرق المتوسطي.

عفوا، إننا نتصبب عرقا خجلا من أنفسنا الخائفة المذعورة بسبب عجزنا وقلة حيلتنا في تقديم – أضعف الإيمان- لمواجهة هذا المجهري اللعين. تركناكم على خط التماس مع الموت، حرمناكم لحظة الفرح والاحتفال بحلول شهر الصيام مع أطفالكم وأزواجكم وأبائكم وأمهاتكم، ومن أحضان أهاليكم ودفئ منازلكم، فرضنا عليكم الإبعاد والعزل مع برودة الموت، لتصدوا عنا الجائحة بأرواحكم! ما أشجعكم ! وما أقواكم! وما أنبلكم! أيها العليون في كل من نساء ورجال الصحة المدنية والعسكرية، مدينون لكم بأنفاسنا وأرواحنا وأجسادنا.

لكم منا كل التقدير والاحترام أيها المحاربون والمقاتلون العزل وأنتم تصنعون التاريخ بأغلى ما تملكون. إنه الشرف كل الشرف.
سلام عليكم يوم ولدتم ويوم ائتمنتم على أرواحنا.

يوسف مكوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: حقوق الطبع و النشر محفوظة لجريدة msalkhir.com
إغلاق