الأولىدولي

الاستعمار الناعم.. كيف سوق ماكرون “فرنسة تونس”؟

لم تمر زيارة إيمانويل ماكرون إلى تونس بهدوء، بل رافقتها موجات من التعليقات وحصص تلفزيونية وصور على صفحات التواصل الاجتماعي للرئيس الفرنسي الأربعيني إيمانويل ماكرون، الذي استطاع جلب أنظار الرأي العام التونسي بمواقفه وتصريحاته التي كانت تختلف جذريا عمن سبقوه من رؤساء فرنسا.

بتواضع ملحوظ وابتسامة، خطب الرئيس الفرنسي في مقر إقامة سفير بلاده وأمام رئيس الجمهورية التونسية وأعضاء من الحكومة عن تاريخ تونس المجيد من الفترة البونيقية إلى العصر الحالي؛ حيث ذكر القائد حنبعل قاهر الرومان، وتوقف عند الاستعمار الفرنسي ذاكرا شهيد المقاومة التونسية النقابي والسياسي فرحات حشاد، الأمر الذي أثار إعجاب العديد من المتابعين للشأن العام، لأن الشهيد حشاد اغتالته منظمة اليد الحمراء الفرنسية في 1952، وفي ذلك اعتراف من الرئيس الفرنسي بجرائم فرنسا في تونس، علاوة على إصرار ماكرون على إبداء إعجابه بالثورة التونسية المجيدة التي صمدت أمام رياح الردة.

حيث قال ماكرون: “إن تونس تمثل نموذجا للديمقراطية في العالم العربي يجب علينا دعمها لأنها أملنا وهي التجربة الرائدة في كامل المنطقة”. يأتي هذا التصريح في تعارض تام مع سياسة الحكومة الفرنسية في يناير 2011؛ حيث اقترحت فرنسا على الرئيس بن علي إرسال معدات أمنية لصد وإنهاء المظاهرات بتونس.

إضافة لذلك، اختار ماكرون زيارة أسواق المدينة العتيقة بتونس العاصمة والتقاط صورة له مع الشاشية التونسية رمز أصالة البلاد ورمز المقاومة، فالشاشية وضعها ماكرون على رأسه بطريقة تبدو عفوية أمام الكاميرات، ولكن هذا السياسي المولع بالتاريخ والمسرح قد يكون على علم بأن تلك الشاشية كانت تسمى “بالكبوس الدستوري” في فترة الاستعمار الفرنسي، فقد دأب زعماء الحزب الدستوري ومناضلو الحركة الوطنية على ارتدائه عوض الطربوش الأوروبي، للإشارة لهوية البلاد التونسية التي لا تهزها رياح الغرب.

عديدة الانتقادات التي تلقاها ماكرون لأن سياسة الحكومة التونسية لا تخلو من انتهاكات في مجال حقوق الإنسان، وخاصة إبان الهجمة البوليسية على نشطاء حركة “فاش نستانو “للمطالبة بإلغاء قانون المالية الجديد! إلا أن الرئيس الفرنسي أصر على دعمه لتونس، ولم يقتصر لقاؤه مع الرئيس التونسي على تبادل الود أمام الكاميرات، بل وقع ماكرون اتفاقيات أثارت استحسان العديد، حيث وقع الرئيسان اتفاقيات في مجال: مكافحة الإرهاب والتطرف وإنشاء صندوق لدعم التنمية والمؤسسات والمبادرات الشبابية. إضافة إلى تحويل كم من ديون الدولة التونسية إلى مشاريع استثمارية وتنموية، علاوة على تخصيص مبلغ قدره خمسة ملايين يورو كتمويل ستقدمه الوكالة الفرنسية للتنمية لتونس في الفترة ما بين 2020 و2022.

ومن جهة أخرى، قرر ماكرون بعث ستة معاهد للغة الفرنسية لتونس، مؤكدا أن الفرنسية هي التي ستساعد التونسيين على النجاح أكثر، وستمكنهم من الوصول إلى عدد أكثر من الدول في الشرق الأوسط وإفريقيا. إنه تصريح يزيح عن ماكرون وجه النبيل والمناصر لدول العالم الثالث إلى وجه ماكرون السياسي اليميني الفرنسي.

إذ يتضح لنا أن المساعدات لا تأتي في إطار تعاوني تشاركي على حد عبارة الرئيس الباجي قائد السبسي، بل هي امتداد لسياسة فرنسة البلاد التونسية، أو بالأحرى هي قرارات للتأكيد على ارتباط تونس بقصر فرساي رغم الانفتاح الذي شهدته البلاد منذ الثورة، حيث زار تونس العديد من الرؤساء كالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل.

كما أن اعترافات ماكرون بجرائم الاستعمار الفرنسي لم تخرج بعد من دائرة الخطب العصماء، ولم تصدر عن رئيس حركة إلى الأمام أي خطوة لتكريس هذه الأفكار، أو مبادرة لتجسيد عبارات الاعتذار على أرض الواقع. فإلى حدود هذه اللحظة لا تزال آثار تونس المنهوبة في فترة الاستعمار تُزين أروقة متحف اللوفر كتمثال القائد الأمازيغي “تاكفاريناس”، كما لا تزال فرنسا ترفض تقديم تعويضات عن الخيرات التي نُهبت من أراضي البلاد، وخاصة الحديد الذي تم أخذه من مناجم مدينة الجريصة لبناء برج إيفل وتشييده، علاوة على مجازر جبل عرباطة وجبل برقوا والاغتيالات التي لحقت بقادة المقاومة.

مها الجويني

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: حقوق الطبع و النشر محفوظة لجريدة msalkhir.com
إغلاق